القاسم بن إبراهيم الرسي
480
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
أما بعد : فإن الدنيا بحر عميق ، ولنيرانها لهب وحريق ، ولطرقها مفاوز « 1 » ومضيق ، فالحذر إذا لبعد مفاوزها ومضيقها ، فأعدّ عدة سير تزحزح به عن لهبها وحريقها ، واتخذ سفينة تنجو بها من عميقها ، وقرّب عليك الأجل لا تخدعنك بآمالها ومكرها ، وقد عرّفتك نفسها ، وأوضحت لك لبسها « 2 » ، فلا تعم وأنت بصير ، ولا تأمن وأنت بتحذير ، فإن الذي بقي من عمرك قليل ، فإما الثواب الجزيل وإما البلاء الطويل ، فكن بعملك منتفعا ، وللموت متوقعا ، فإنك لا تدري على أي حال يأتيك ، وفي أي وقت يفاجيك ، فعجبا لك يا مكنون « 3 » الأجل ، كيف تغتر بطول الأمل ، فابك على نفسك إن كنت باكيا ، وتيقظ من غفلتك إن كنت لاهيا . أما بعد : فكأنك قد أخرجت من روح الدنيا ومساكنها ، وأبدت أهلك لغيرك سكنها ومحاسنها « 4 » ، ونسيت ما كان لها من كدك ، وتغيّرت - عما كانت لك عليه من بعدك « 5 » ، فتنعموا بمالك ، ولم يعبئوا بحالك - لمن لا يرثى لك غدا من بعد صرعتك ، ولا يؤنسك « 6 » في وحشتك ، فلا تبع يا مسكين بدنياك آخرتك ، ولا تجزع لها فتركبك رقبتك ، عليك بنفسك أكرم الأنفس عليك ، وأحب الأنفس إليك ، واعلم أنك مسؤول ، ومحاسب ومعاقب ، فارغب في الثواب ، واهرب من العقاب . ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ، وصلى اللّه على محمد وآله وسلم .
--> ( 1 ) في ( أ ) و ( ج ) : مغاور . ( 2 ) في ( ب ) و ( د ) : بنفسها . وفي ( ب ) و ( د ) : لك عن لبسها . ( 3 ) في ( أ ) و ( ج ) : فعجب . والمكنون : الخفي . ( 4 ) في ( أ ) و ( ج ) : وأبدت لأهلك غيرك سكنها ومحاسنها . وفي ( د ) : وأبدت أهلك لغير سكنها محاسنها . ( 5 ) في ( أ ) و ( ج ) : بعد . ( 6 ) في ( أ ) و ( ج ) : لا يرى لك . مصحفة . وسقط من ( أ ) و ( ج ) و ( د ) : بعد . وفي ( أ ) و ( ج ) : ولا يؤنسك غدا في :